مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ كنعان الطيار
الحر الاشقر
05-08-2007, 12:46 AM
الشيخ الفارس كنعان بن شعيل الطيار شيخ قبائل ولد علي من الرجال الذين يتمتعون بإحترام وتقدير خاص لدى أبناء البادية لما لتاريخه وسيرته من نكهه خاصة , وذكرى عطره حتى يومنا الحاضر ..
فشخصيته جمعت كل مافي الخيال الأسطوري للباديه في واقع حقيقي لا خلاف عليه .
فهو الفارس المغوار في ساحات الوغى , وعند طراد الخيل , والذي لايضاهيه, إلا القلائل من أبناء البادية عبر تاريخها عند الحديث عن فرسان البادية وسراتها وشجعانها , وهو الذي طوّف في ارجائها وحيداً في أغلب الأحيان .
وهو في جانب آخر من شخصيته , العاشق المتيم الذي يتداول قصصه شباب البادية في سمرهم وعند الحديث عن العشق العذري العفيف , فيندر إلاّ تجد ذكراً لهذا العاشق في بطون الكتب التي تناولت القصص الشعبي .
وهو الشاعر المفوّه ممن لايزال شعره متداولاً حتى يومنا الحاضر بالتواتر , ولا نبالغ إن قلنا بأنّ شعره من شعر البادية الذي سيبقى خالداً .
ونحن لن نسهب في تقديم هذه الشخصية الفذّة , بل سنعايشها منطلقين رجوعاً بالسنين الى الوراء حوالي مئتين وخمسين سنة حيث يحط بنا الزمان في حوالي عام 1160 هـ ( 1740م ) علة وجه التقريب .
أما المكان فهو بادية نجد ، في مضارب قبيلة عنزة ، والتي تمتد بيوت الشعر والخيام فيها بإمتداد النظر لتعانق الأفق الرحيب , وتأخذ ابصارنا شمس قد ودّعت بالمغيب ، ناشرةً على الأرض الفضاء سنا نورها الأرجواني الأخير ، صابغة وجنة الكون الرحيب بحمرتها الدافئة , محتضنة خط الأفق البعيد برفقٍ وحنان .
ويشنف آذاننا حداء الرعاة وهم يدفعون قطعان إبلهم عائدين ، وقد أختلط حدائهم الساحر برغاء الإبل مع بعض الثغاء من هنا أو هناك ...
والقوم قد عقدوا مجالسهم وأشعلوا نيرانهم وفي كل مجلس نجر ينادي أو ربابة تجر ، وبين الخيام المنتشرة أختلط الراكب بالراجل ، فالراكب إما على ظهر جواد وعلى أشدة النياق ، والراجل حثّ خطاه الى وجهةٍ ما ، الى بعض الخيام باحثاً عن مسامر أو طالباً لحاجة .
وهناك على سفح ضلع مشرف ، يزيّن المنظر الساحر بيتٌ يزدحم بالرجال ممن زيّنت ولوّنت وجوههم شمس الصحراء بسمرةٍ تكاملت مع قسماتها الحادة، التي تناسبت مع قسوة الصحراء وخشونة الحياة فيها .
وفي وسط هذا الجمع الحاشد جلس الشيخ (( شعيل الطيار )) متكئاً على أحد الأشدة، مسامراً الجمع . ومجاذباً إياهم أطراف الحديث عمّا سلف من أيام خوال ٍ .
وفي المدى البعيد ...وعلى ضوء الشمس المنكسرة والمؤذنة بالمغيب ..يلوح فارس يخبّ الأرض خباً على ظهر فرسه ، وهي تضرب الأرض بقوائم ثلاث وقد علقت الرابعة ، وكأنها تطرب فارسها بوقع حوافرها ذات الصوت الإيقاعي المتناغم فالتزمت بهذا الرتم الجميل .
وبعيون البدوي ذي النظر الحاد الثاقب يعلن الشيخ شعيل , بأن كنعان ابنه ووحيده قد أقبل بعد غياب أيام ، جال فيها وحيداً في البادية , فيهنئه الجمع بسلامة وصوله ..
وبعد هنيهة يصل الفارس الشاب، لنراه مقبلاً وقد أرسل ضفائره على كتفيه (( كعادة فرسان البادية )) متمنطقاً سيفه ورمحه ، وبقسمات تفتخر بالرجوله ، جال بنظره بمجلس أبيه ، فالتزمت عيناه مكان أبيه ، ثم حيّا مسلّماً . .فاستقبله الجمع بحفاوة وحب .
قصة سيفه المشهور ( كافر النفس)
وينعقد المجلس من جديد ، ولكن الصمت يطبق على الجميع وقد شخصت أبصارهم بفارسهم متحفزين لسماع مابجعبته من أنباء وغرائب .
الأمير شعيل: إلى أين كان المسير هذه المرة يا كنعان ؟
كنعان: إلى شمال نجد ياوالدي .. وقد حصل لي أمر عجيب من أعجب مايروى !!
الأب : وماذاك ياكنعان ؟
كنعان: حين أنطلقت من هنا منذ أيام ، مررت على الرعاة لأطمئن عليهم وأتفقد أحوالهم قبل مسيري ، وقد وجدت كل شي على أحسن مايرام ، وبعد أن طال بي المكوث هناك عزمت على أكمال مسيري ، وعندما هممت بتوديعهم ، لم ألمح ( سالما ) بينهم .. وحين سألتهم عنه ، لمحت في عيونهم مايريب ، فألححت عليهم بالسؤال ، فذكروا لي بأنه مختف بين الإبل لأمر جناه ويخشى عواقبه ، فرفعت صوتي مستحلفا ً إياه أن يظهر وله مني الأمان مهما كانت جنايته وما أتاه من ذنب .. إلا أن يكون خيانة .. فظهر مقبلاً يجرّ خطواته بتثاقل ، حالفاً بأغلظ الأيمان أنه لم يتعمد قتل الناقه.
فقلت له: أى ناقة ٍ تقصد، فأجاب بأن إحدى النياق الخلج حنّت على وليدها ، وأزعجت كل من على المورد ، وأنه رماها بحصاة على رأسها غير قاصد إيذاءها ، فاخترقت رأسها من الجانب الآخر فسقطت الناقة من حينها .
حين ذاك أدركت بأن الحصاة التي ذكرها غير مانعرف ، فطلبت منه أخذي إلى حيث الموقع ، وحين وصلنا إلى هناك وجدت حفرة واسعة وبعمق قامة الرجل ، وفي أسفلها قطعة صخر ثقيلة وكأنها معدن . فأمرته بكتمان الأمر وأنني لن أعاقبه إن هو كتمه ، على أن يجهّز لي رحولاً من نجائب الإبل العمانية.
الأب : وماتلك القطعة يا كنعان ؟
أحد الجلوس : ومن الذي وضعها في تلك الحفرة ؟
الأب : وهل يعقل ذالك يابنّي ، إن روايتك هذه مما يسفّهك في عيون الرجال ..
كنعان جادا : إن ماقلته هو الصدق بعينه ياوالدي .
الأب بأستنكار وحزم وقد بدت في محياه علامات الحرج من القوم : كنعان.. إنك تجعل من نفسك أحدوثة القوم، دعك من هذا الحديث وحدثنا بما يعقل أو دع عنك عناء الحديث.
كنعان: والله ماحدثكم إلاّ حقاً يا والدي ، فهذه القطعة المعدنية بنفسها حفرتها ، فهي نيزك سقط من السماء على الأرض فأحدث سقوطه تلك الحفرة.
الأب : الآن أدركنا ماتعني.
أحد الحضور : ذلك ماجاء بالقرآن الكريم ( وجعلنها رجوماً للشياطين ) الأيه.
آخر: وماذا فعلت بها يا كنعان ؟
كنعان : حملتها معي على إحدي النجائب ويممت شمالاً إلى ( المزيني ) المعروف بجودة صناعته في ( الكهفة) في (حائل) وطلبت منه أن يصنع لي منها مخرازاً وأنا عنده ، فلما أتم صناعة المخراز قلت له سآخذ المخراز ، وسأبقى لديك باقي القطعة لتصنع لي منه خنجراً وسيفاً أو أيهما ترى أن القطعة تكفيه ، وسأعود إليك بعد مدة لآخذه منك .
أحد الحضور : وما شأنك بالمخراز ياكنعان مادمت تريد سيفاً وخنجراً ؟
كنعان: سأخبرك بذلك حين أعود في المرة القادمة ومعي السيف والخنجر .
الأب: وماذا قلت في ذلك من شعر ، فلا أراك إلا وقد نظمت في ذلك قولاً ونرغب في سماعه .
كنعان : نعم .. فقد قلت :
قـم يالمزينـي خنجـري سوهالـي =وأنا علي أشراعه أن مهلّـت لـي
حــقٍ عـلـي أشراعـهـا بالتـوالـي=أقضي ديونٍ يالمزيني غـدت لـي
كفيت عيونـك شـر سـود الليالـي=ويمينك اللي بالعدل أنصحت لـي
حديدها من مصنعـة جـان غالـي=من يوم شفته يالمزيني زهت لي
صناعـهـا عـمـال فـتـل الكـمـالـي=بتقانهـا عـورج مـع النثـر فتـلـي
وبعد عدة أيام من الإقامة في مضارب قومه ، يعزم الفارس الشاب كنعان الطيار على الرحيل كعادته .. فهو أبن الصحراء .. الحاضر في عين شمسها دائماً ، والمتلحف سواد ليلها وظلمته في قفرها الموحش ويقف في ربعة أبيه مودعاً والده والجمع الحاضر هناك . ثم ينطلق بين الخيام الممتدة على صهوة فرسه ومعه بعض رفاقه.. مودعاً هذا .. ومسلّماً على ذاك .
**((ثالثاً :زواج الشيخ كنعان وبعض المواقف بسوق حائل وإغارة غزاة على الإبل حين رجوعه ))**
وأثناء مروره في الحي .. إذا به بمجموعة من فتيات الحي ممّن توعدن قدومه , ووقفن في ذلك المكان لعلمهن أن هذا المكان سيمر به كنعان حين خروجه , وكان من بينهن فتاة هي آية في الحسن والجمال وممّن برعن في فنون الشعر .
هي ضبية الحي .. كانت مرسلة قذلة شعرها على مساحة وجنتها فزادها ذلك ألقاً وجمالاً .. بينما أخفت شفتيها بلثام تراخى عن أنفها الأشم , وعانقت أطرافه وجنتاها المضيئتان.. مما أستوقف الفارس الشاب كنعان والذي علم بأنه المعني بكل هذا المهرجان الأنثوي الصامت . فقال موجهاً الحديث لضبية الحي دون باقي الضباء لعلمه أنها قادرة على محاورته :
هــلا هــلا وحيـيّـت يـابـو قـذلّــي = ألـفٍ صبـاحٍ لـك وألـفٍ مسـا لّـي
ألف فراش ٍ لك مع ألف ٍ غطاً لّي = مـا تسقـي اللـي يابسـاتٍ أشفـيّـه
فأجابته على الفور قائلة :
هـلا هـلا باللـي كلامـه يــداوي = فوق الكحيلة مثل فرخ النداوي
يا شيخ ما حنّا لصيدك حراوي = والشيخ مثلك مـا يجـي للرديـة
وقد عنت بذلك انها راغبة به بالحلال .
فأجابها كنعان :
أنــا كـمـا طـيـرٍ خـفـق بالجـنـاحـي = شافـك مـن الزرقـا ورخّـى عوانيـه
تـعــذري يـــم الـثـمــان الـمـلاحــي = العـذر مـن مثـلـك نشـوقـه ونبغـيـه
من ذاق حب السلهمة ما استراحي = لـو كـان عـود وشايـبـاتٍ نواصـيـه
فقالت : لو أنك تطلبني من والدي أو أحد أعمامي لكان أجدى ..
فأخذ لفظها ( أو ) و ( لو ) وقال :
يــــا شــــوق مــــا مـثــلــك لمثلي يــقـــول أو =وأنــا عـلـى قـربــك كـثـيـر الحـسـايـف
ماينـفـع الهـويـان لـــو قـلــت لـــه لـــو=عطشـان يشـرب مـن قــراح الشفـايـف
وجدي عليكم وجد من ضاع بالدو (1)=بالقيض وأفخت موميات السفايف (2)
أو وجــد مــن لــه بـكـرةٍ عـاسـفـة تـــو=صـوابـهـا بـالـقـلـب مــاهــو مـسـايــف
أو وجـد مـن لـه بكرتيـن علـى بـو (3)=سرابهـن مـع تالـي اللـيـل حـايـف( 4)
أو وجـد مـن لـه هجمتـن طلعـة الـضـو=قفّوا بهـا الطمـاع صـارت عرايـف(5)
أو وجـد مــن لــه غـرسـة صابـهـا نّــو=ضـــرب الـبــرد خـــلاّ جـنـاهـا نـتـايـف
1- الدوّ : الصحراء القاحلة المقفرة .
2- القيض : الصيف , موميات السيفايف : الركائب .
3- البوّ : جلد صغير الناقة ( الحوار ) بعد ذبحه يحشى ويوضع أمام أمه لتدرّ حليبها .
4- الحايف : السارق , والحيافة غالباً السرقة ليلاً .
5- العرايف : الحلال يبحث عنه صاحبه ليتعرف عليه .
الحر الاشقر
05-08-2007, 12:47 AM
وأشار لها ولصويحباتها بالوداع إلى لقاء ٍ قريب بعد هذه المداعبة من الطرفين , ولكز فرسه شمالاً إلى حيث المزيني , فقد حان موعده .
وفي سوق حائل كان المزيني يترقب كنعان وقدأضمر في نفسه ما أضمر , وحين أقبل الشيخ كنعان ورفاقه إلى المزيني ..اضطرب المزيني هيبةً وخوفاً من الفارس المقبل , إلا أنه تمالك نفسه وسيطر على رباطة جأشه , وأقبل مرحباً بالشيخ كنعان , وحين ترجّل الفارس المهيب وصحبه عن صهوات جيادهم , طلب من المزيني علفاً وماء للجياد . وجلس ومن معه بباب الدكان , ثم طلب من المزيني أن يوافيه بسيفه وخنجره , فذهب الرجل إلى داخل الدكان ليعود له بسيفٍ طويل , رفيع الرأس حاد النصل جميل المنظر يعجب من يراه , حين ذاك لمح الشيخ كنعان في عيني المزيني ما أرابه , فأخرج المخراز الذي سبق وأن صنعه له , ثم وضعه على صفحة السيف وضربه بقوة شديدة, فأنفلق السيف ! , فوقف كنعان محتدّاً ساحباً سيفه من غمده حالفاً بأغلظ الإيمان بأنه سيقطع رأس المزيني إن لم يخرج له سيفه الذي هو من نفس معدن هذا المخراز , عند ذلك تبين للمزيني بأنه لن يستطيع خداع كنعان الذي إحتاط منذ البداية لمثل هذه المكيدة .
ذهب مسرعاً إلى داخل حانوته وأخرج سيفاً عريضاً متوسط الطول لا يأبه به ناظره , فضرب به كنعان بمخرازه كما فعل بسابقه.. فأنزلق المخراز عن السيف محدثاً صوتاً قوياً كالرنين !! أذهل كل من بالسوق !.. فتأكد كنعان بإن هذا السيف هو نفس مادة هذا المخراز, وأن هذا هو سيفه الذي أراد , وقفل الشيخ كنعان عائداً بسيفه الذي أطلق عليه أسم (( كــافر النفــس )) , ونزل بطريقه على بوادي قبيلة شمر فكان له الكثير من الأحداث مع هذه القبيلة العزيزة .
فقد نزل كنعان وصحبه على أحد شيوخ قبيلة الخرصة من شمر , وأمضى يومه عنده , كان بالمجلس رجل يقال له الوطيفي , يلمح همساً بأن كنعان قد نزل على هذه المناطق لنيةٍ سيئة يرومها من ابنه فلان .. فتناها إلى سمع أحد رفاق كنعان ما ألمح به الرجل , ولم يخبره بما سمع إلا حين ساروا عقب توديعهم للقوم فتوقف الشيخ كنعان صامتاً لبرهه ! ثم ألتفت لصحبه قائلاً :
يـــا راكـبـيــن كــــور حــيــل ٍ شـومـلــن =كالربد وإلا ايديـن النعـام الهـوارب (1)
يـاراكـبــيــن الــهــجــن بالله ريّـــضـــوا=خـوذوا كـلام ٍ مـن ضميـري غرايـب(2)
خـــوذوا مـنــي لـنــزل السـيـافـا تـحـيــة=مقدمهم اخو جوزا عفيف الضرايب (3)
يــــا شــبــه هــــداجٍ لــيـــا كــثـــر ورده=يـودع بجـال البـيـت مـثـل النهـايـب (4)
أوا خـريـصـاتٍ عـلــى الـكــود والـكــدى=غميـقـيـن الأريــــا مغـفـلـيـن الـطـلايــب
قـهّـارة المظـهـور فـــي وجـــه ضـدهــم=إن هلهلـن بالكـون حمـر العصـايـب(5)
يامـا قـضـوا مــن غــزو مخـفـي عــداوة=يـامـا اذهـبـوا مــن مـرهــبٍ بالـحـرايـب
جـاراتــهــم خـواتــهــم لـــــو يـــمـــرون=مـا يدهلـون البيـت والـجـار غـايـب (6)
والله هـــي ابـرامــن حــمــام ( بـيـنـبـا )=وابرا من اللي بيـن صلـب وترايـب (7)
أنــــا كـنــعــان لــيـــا صـــــار الــوغـــى=وان شـبّــت الهـيـجـا ونــــار الـحـرايــب
وان صحـت فـي خيـل المعـادي تـذيـرت=والـخـيـل بالـفـرسـان راحـــت حـطـايـب
يشـهـد لــي سيـفـي ورمـحــي وسـابـقـي=ولا عـــاش رجـــلٍ يـمـتــدح بـالـكـذايـب
1- الكور : شداد الناقة من فرش , والحيل : جمع حائل وهي الناقة التي مر عليها حول دون أن تلد , شوملن : أي اتجهن إلى الشمال , الربد : جمع ربده وهي أنثى النعام .
2- ريضوا : تريّثوا .
3- السيافا : هم الخرصة من شمر , أخو جوزا : الجربا شيخ شمر .
4-ورده : أي من يرده من البادية, هدّاج :عين هداج في تيماء , غزير المياه ويذكر أن دلائه التي يسنى بها بلغت تسعين دلو .
5- الكون : الحرب , حمر العصايب : النساء العاصبات رؤسهن بالعصائب الحمراء.
6- يدهلون : يدخلون
7- أي أنها أبرأ من حمام مكة و بل أنها أبرأمن الإنسان قبل أن يتخلّق وقبل أن يكون جنيناً وهو بين الصلب والترائب ( وهذه منتهى البراءة)
وبعد حين توجه كنعان ومن معه إلى حيث قبيلة الأسلم من شمر, وبالتحديد للشيخ بن طوالة , والذي كان لدية ابنة , خفق بالآفاق ذكرها لما جمعته من ذكاءٍ وجمال , وأصل نبيل , فطلبها الشيخ كنعان حليلةً من والدها .. الذي وافق على تزويجها إياه , ثم سار الشيخ إلى حيث قومه عنزة, ولما وصل إلى مشارف مناطقهم التفت إليها وهي في هودجها.
وقال : قولي إن شاء الله
فقالت : إن شاء الله , ولكن على ماذا ؟
فقال لها : إن شاء الله إن وصلنا إلى أهلنا نجدهم وقد أطبق عليهم غزواً وأخذ حلالهم !!؟
فقالت : ولكن لم يا كنعان ؟
فقال لها : لتري فعلي وفعل سيفي هذا , فتطيب عيناك ويبهج قلبك بمن رضيت به حليلاً..
فقالت : ولكني سمعت عن مكانتك وشجاعتك الكثير ولم أقبل بالإقتران بك وأرفض شجعان شمر إلا لما أعرفه عنك وأسمع به ..
فقال لها : أيا َ كان الأمر فإن من سمع ليس كمن رأى ؟!!
الحر الاشقر
05-08-2007, 12:49 AM
فلما اقتربوا من الحي و وأصبحوا على مقربة من الرعاة , وجدوهم وقد نعت شعثهم وفرّق شملهم وشتت جمعهم , فقد تحقق لكنعان ما تمناه واستجابت الأقدار لمبتغاه, حيث استقبله الرعاة بالضجيج والصراخ, وأخبروه بأنهم قد نهبوا من فترة وجيزة وأن الصائح قد ذهب منذ قليل ليفزّع الفرسان ليستنقذوا الإبل من الغارة , فهدّأ كنعان من روعهم ثم ألتفت لزوجته وقال لها : ها قد تحقق ما تمنيت , فسيري معي بإثر القوم حتى ترى عينيك .وطلب من رفاق رحلته أن يكملوا مسيرهم إلى مضارب القوم ويطمئنوهم بأنه سيلحق بالغزاة ويرد الأبل المسلوبة.
ثم أدار عنق فرسه وجدّ بالمسير إلى حيث سار الغزاة وبرفقته زوجته وهي على هودجها , وحين تراءى له غبار الإبل اعتلى فوق مرتفع من الأرض , وأناخ راحلة زوجته ولبس درعه واستلّ سيفه , ثم أخذت زوجته تهلهل وتزغرد له وتردد :
جاكم علـى قبّـا قحـوم= يا هية ياللي بالشعيب
حــر ٍّ تنـفّـض مخلـبـه= مجربٍ ضربه عطيـب
الــيــوم يـــــومٍ للهداد = كنعان يا سقم الحريب
فأنتبه الغزاة لهما , وعاد مجموعة منهم إليه يريدون قتله طامعين بفرسه, فما كان منه إلاّوأن أغار عليهم من المرتفع وأطبق على مقدّمتهم وهو يردد بصوت يجلجل بالوادي :
لعينـيـك يــا عــذب اللـمـى = أضرب وأنا ضربي عجيب
بــنــت يـالـلــي تـنـظـريــن = تكـحّـلـي بـفـعـل ٍ عـجـيــب
قـلــع الـرمــك كــــار لــنــا = وملاعـب حـرّاب الحـريـب
إن زغـرت (الكافـر) ذبــح=يـرحــم ولا اظـنــه يـعـيـب
ثم إنه أخذ يناوشهم بأطراف رمحه فأخلى ظهور الخيل من فرسانها , فارتعد باقي الفرسان من فعله , وأخذوا بالهرب من أمامه ! ثم أغار على فلولهم وأخذ يرمي الفرسان عن خيلهم حتى أقبل على من بقي منهم مع الإبل المنهوبه , فطلبوا منه أن يمنعهم وأن ينثني عن قتلهم , على أن يسلّموا له . فوافقهم عل ذلك على أن يترجّلوا عن ظهور جيادهم ويلقوا بأسلحتهم ودروعهم , فأسرعوا بفعل ذلك !! وأخذ يسوقهم أمامه وزوجته في هودجها تسير جذلى خلفهم, وماهي إلاّ برهة من الزمن حتى أقبل عليهم فرسان عنزة وقد تأهب كلاً منهم للقتال حيث وجدوا أن الشيخ كنعان الطيار قد كفاهم مؤونته , حيث أستقبلوه وحليلته بما يليق بهذه المناسبة وأمضى لياليه هانئاً وادعاً في نومه .
--------------------------------------------------------------------------------
**((رابعاً : قصته مع البواسل بوادي السرحان ))**
وبعد مدة من الإقامة , ومع حلول فصل الربيع , نوى على المسير إلى ما يعرف الآن بوادي السرحان , حيث ذكر له أن تلك المنطقة قد ارتوت من الأمطار حتى كساها الربيع حلته , وأن بها منطقة لا تطؤها قدم إنسان مما يعرف عند البدو ( بالمخافة ) لو حشتها فلم يرعها أحد قط , فسار بإبله ومعه زوجته وبعض رعاته , بعد أن ودع والده وقومه ( الذين حاولوا إثناءه عن عزمه لخطورة المنطقة ) , وبعد مسير عدة أيام نزل في تلك المنطقة , ومرت عليه عدت ليالٍ هادئةٍ ... إلى أن كانت إحدى الليالي التي أتت له بما أرابه .. ففي هجعة الليل , أخذت فرسه تضرب بحوافرها الأرض , ناصبة ذيلها وأذنيها , وهي ترهم بصوت له دلالته عند فارس مثل كنعان .. وكان هذا كافياً له لأن يعد عدته ليوم جديد بكل مافيه وما يحمله , فابتدر فرسه بالعلف ثم ساقها , وبلل مرشحتها بالماء ثم رمى بها على ظهر الفرس , وعقب ذلك أعدّ سيفه ودرعه , ثم تمدد في ربعته بانتظار ماسيسفر عنه فجر ذلك اليوم بعد أن نبّه رعاته لما ينتظرهم .
ومع بزرغ أول خيوط الصباح .. أطل على رعاته الغزو المنتظر ( وهم قوم يقال لهم البواسل ) فاستاقوا الإبل , فقد طمعوا بها لمّا بلغهم بأنه ( بيت وحيد ) وأن كل تلك الإبل لهذا البيت الوحيد , فهي غنيمة جزلة لصيد سهل , ولم يكونوا يعلمون بأن هذا البيت هو لكنعان الطيار , وإلا لغيروا رأيهم ولما أقدموا على فعلتهم هذه , فهم كغيرهم من أبناء الصحراء يسمعون به ويعرفون مكانته في صحراهم ويقدّرونها , وعند ذلك أخذت زوجته تصيح بالويل والثبور , وهي ترى الرعاة وقد فزعوا إلى البيت .. فإلتفت إليها كنعان مبتسماً , وطالباً منها أن تهدئ من روعها , لأنه لا ينزل مثل هذا المكان الموحش بخلوته و والذي لم يجروء أحد على السكن به , إلاّ وهو واثق بنفسه , وأنه يجدر بالقوم السذّج الذين أغاروا عليه أن يعلموا ذلك !! .
ثم إنه امتشق سيفه كافر النفس وتمنق درعه , وحمل رمحه بيمينه وامطى صهوة فرسه .. ويمم إلى حيث الغزاة الذي جدّوا في استياق الإبل , فلما اقترب منهم , صاح بصوتٍ ردّدت صداه الأرجاء , معلناً لهم الأمان إن هم خلّوا بينه وبين إبله , فالتفت القوم إلى بعضهم البعض مستنكرين ذلك , فمن هو ليكون الأمر بهذم البساطة ؟.. فما كان من بعضهم إلاّ وأن عادوا إليه متعاهدين على قتله وتقطيعأشلائه لذئاب الوادي , فلكز فرسه إلى ظلع مرتفع .. فلحق به مجموعة من فرسان البواسل , فلما تباعدت بينهم المسافات .. كّر بنحر فرسه عليهم , وأخذ يجندل كل من يلاقيه منهم , حتى قضى عليهم جميعاً.. وكان يصيح بهم قائلاً: ( خيّالة الستيتيات رجالٍ رجّع ) والستيتيات : الخيل بين يديها وقدميها ستة أذرع إذا إشتد ركضها , وهذا من الصفات الذميمة في الخيل .. ورجال رجّع : أزواج النساء المطلقات الذين رغبن عنهم النساء وتركنهم .
ثم أغار بفرسه على من بقى منهم مع الأبل وأخذ يناوشهم برمحه , فجندل بعضهم , وطلب البعض الآخر من كنعان الأمان , فما منه إلاّ أن اعطاهم الامان طالباً منهم أن يخبروا من وراءهم من قومهم بما رأت أعينهم , وأنه باقٍ في هذه المنطقة التي هي ممنوعة عن سواه ما شاء له لبقاء .. فعاهدوه على ذلك , ثم قفل عائداً بإبله , فاستقبلته زوجته بزغاريدها وقد أثلج صدرها ما رأته من فعل زوجها , فقال مفاخراً وموجهاً لها الحديث :
يــقـــول الـوايــلــي قــيـــل ٍ وكــــــادي=مـعـانــي مــــا لــهــا شــــيٍ يــشـــادي
تــراهــن يـطـربــن صــــوت الـمـغـنّـي=إلــى مــا ردهـــن لـيــا هـــن جـــدادي
ألا راكــــبٍ مـــــن فـــــوق عــوصـــي=سـنـامــه نــابــيٍ وســـــط الــشـــدادي
ســـراهـــا ( لـلـبــواســل ) لا تــقــيـــم=وبـلـغـهـم مـــــع الـبـيـضــا ســـــوادي
نــزلــنـــا ( بـالـمـخــافــة ) مـمــنــيــن=أمــــنــــا وغــــدرونــــا بــالــعــهــادي
أصـبــحــنــا وصــبّــحــنــا جــــمــــوع=بـخـيــلٍ مــثـــل سـيــعــان الــجـــرادي
جـــونــــي عــيــلـــةٍ يــبــغـــون ذودي=وذودي كـــلـــهـــا ورث الــــجـــــدادي
يــبــون الـنــاقــة الـمـلـحــا وضــيـــره=عـلـيـهـا مــثــل مـنـكــوس الــفـــرادي
وروده نـــاقــــة الــخــطّـــار تــبــهـــل=تــهــجّــع كــنــهــا يـــمّــــي تـــنــــادي
تــراهــا كــــل مـــــا تـســمــع مـــــدوّه=تـفــجّــع مـــــن مـعـالـيــق الــفـــوادي
ألا مـــــا هـبــلــك يـابــاغــي نــيــاقــي=وأنــا مــن دونـهــن فـــوق الـجــوادي
مـــغـــذاةٍ عـــلـــى حــــــب الـشـعــيــر=ودرّ الـخـلــف طــلــقٍ مـــــا يـــــزادي
ظـهـرهـا مــــا يــزيــد عــــن الــــذراع=سـريـعــة مــــوج أبـاهـرهــا ســنــادي
قـوايـمـهــا كـــمـــا عـــمـــد الــحــديــد=ولـــه صــــدرٍ كــمــا بــــاب الــبــلادي
وحـاركـهــا كــمــا الــذيــب الـمــويــق= عــلــى الـطـلـيـان بــأيـــام الــكـــدادي
وأذانـيـهـا مـثــل مـنـقــوض الـجـعــود=يــغـــذّي بـالـشـمـطــري والـــزبـــادي
وجبهـتـهـا كـمــا وصــــف الـطـلاحــي=ومـنـخـرهـا كــمــا كــيـــر الـســتــادي
وتــــاطــــى بــالـــثـــلاث مــوثّـــقـــات=وعـلـى الأربــع كـمـا الأدمــي تـقــادي
زمــالـــت خـــيّـــرٍ تـــدنـــا لــســرجــه=مــدنّـــاتٍ كــمـــا فـــحـــل الـــهـــدادي
ولا تــركــب عــلــى لــعــب الـمـصـنّـع=ولا هـــي لـلــزز يـــوم الـعـيــادي (1)
تــزهـــا الـلــبــس بـالــيــوم الـكـبــيــر=نــهــار الــكــون تــذخـــر لـلــطــرادي
عـلـيـهـا فــــارسٍ يــرخــص حـيــاتــه=يـنـوض إلـيـا سـمـع حـسـن الـمـنـادي
مـعــه سـمــح الـكـعـوب مـــن البـلـنـزا=الى اهوات تودع الصامل ابجادي (2)
وضــــج نـــــزول زيــنـــات الـعــيــون=وخــيــل نــوخــت لـــــي بـاحـتـشــادي
وعــرجــد نـزلــهــن وانـــــا ذراهـــــن=وصـاحـن مـالـهـن غـيــري عـضــادي
مـخـمـوصـات الـمـواطــي والـبــطــون=مـــن الـمـطـعـوم مــــا مـالـحــن زادي
ومـرّيــت الــغــرو وضّــــاح الـجـبـيـن=تـنـخـى ولا نـخــت غــيــري ســنــادي
نـــــور الـبــيــت بـالـمـقــدم تــصــيــح=وتــرجـــي فــعـــل حـــــرٍ بـالــهــدادي
ونــــا لـعـيـنـاك يــــا نــجــلا الـعـيــون=تـحــلّــي فـعـلـنــا وقـــــت الـهــجــادي
وعــيــنــا بـــكــــرةٍ حـــلــــو لـبــنــهــا=تــرعــى مـانــبــت نــبـــت الــعـــرادي
رديـــــت الـكـمـيــن عــلـــى الـمـغـيــر=كـمــا سـيــلٍ حـــدر مـــن بـطــن وادي
وخــيــل الـطــهــر قـــــادن للهجــيـــج=ونخوا ( فوزان ) حمّاي العوادي (3)
وقــــفّــــن الـــبـــواســـل هــــاربـــــات=وقـــادوا عـجّـهـن غــــوش الــــردادي
1-اللزز : السباق والملز هو مكان سباق الخيل
2- البلنزا : نوع من الرماح التي كانت تستخدم ذلك الحين
3-فوزان : هو عقيد القوم المغيرين ( البواسل ) والذين أخذوا بإثارة نخوة قائدهم ولكن دون جدوى
وخيل الطهر : لابد من تطهير ظهور الخيل من عار الهزيمة ( وتلك عادة كانت متّبعة في البادية إذا انهزم الفارس يلزم أن يغسل ظهر فرسه ) .
--------------------------------------------------------------------------------
الحر الاشقر
05-08-2007, 12:50 AM
أفراط حب الشيخ كنعان بزوجته يوقعه بسوء فهم معها , وقصته مع العرّافة
كان الشيخ كنعان الطيار يحب زوجته بنت ابن طوالة حبا ً لا يعدله حب , إلى الحد الذي أصبح فيه يغار عليها غيرة عمياء .. وكانت هي , كعادة نساء البادية , تحتفي بالصغير والكبير وبالقريب والبعيد , لطيفة المعشر كريمة العطاء ( وكيف لا وهي سليلة أسرة الطوالة الكريمة ) . الأمر الذي أدى إلى أن يفكر الشيخ كنعان بإختبارها , فأعلن للجميع بأنه ينوي الغزو .. وعلى من أراد الإشتراك بمكاسب هذه الغزوة أن يستعد لذلك .. وكان هذا يعني عند الجميع الكسب الوفير , فهم في ركب كنعان .
ثم إنه سار بجمعه من الفرسان , حتى إذا ما ابتعدوا عن مضارب قومه , طلب من رجاله المبيت في مكانهم وأنه سيغيب عنهم هذه الليلة , على أن يلتحق بهم في الصباح الباكر . ثم توجه إلى مضارب قومه , فلما انتصف ليلهم , أقبل بخفية إلى حيث خيمة زوجته وانسلّ من أسفل رواق الخيمة , وكانت تغط في نوم عميق . فدفعها بيده بلطف لإيقاظها , فانتبهت على ذلك , فضربته بظاهر يدها على جبينه , وكان في أحد أصابعها خاتما ً أسال دمه , وقد توثقت من ذلك , فانسلّ منسحبا ً وركب فرسه إلى حيث رجاله .
فلما كان الصباح طلبت زوجته من أحد الرجال أن يعلن للجميع بأن يحضروا وليمة غداء في بيت الشيخ كنعان , فلما اجتمع الجميع أخذت تتفرس وجوههم من خلف رواق المجلس , فلم تجد من بينهم من يحمل أثر تلك الضربة فزاد في نفسها ما تحمله من شك من أنه لا يمكن أن يجسر على محارم كنعان سوى كنعان نفسه .. فأخذ الغيظ منها كل مأخذ , إلا أنها آثرت الصبر والإنتظار إلى حين عودته .. وبعد عدة أيام عاد كنعان ومن معه . فلما سلّمت عليه , لفت إنتباهها ندبة ً في جبينه , فسألته عنها , فأجابها بأنه من غزالة الشداد حيث ضرب رأسه بها حينما غفا . إلا أن جوابه لم يكن مقنعا ً لها .. عند ذلك أرسلت إلى أحد الرعاة ( وكان شمريا ً من قومها ) فطلبت منه أن يصحبها إلى حيث قومها , دون أن يعلم أحد بذلك , وأخبرته بأنها ستجهّز عند المساء ناقتين قويتين لذلك .. وتم لها ما أرادت .. ووصلت إلى حيث أهلها .
ثم أن الشيخ كنعان أيقن بأنه قد أفرط بغيرته على زوجته , وندم على ذلك أشد الندم .. ثم ركب فرسه يريد اللحاق بزوجته قبل وصولها لقومها لاسترضائها , ومعه أحد رجاله ( يقال له طراد ) , فقال موجها ً الحديث لطراد وهو يحثه على المسير , ومودعا ً باقي رجاله :
ياراكب ٍ من فوق حرٍّ مشذر = ما دنّق الرقّاع يرقع رفوقه ( 1 )
أمه لفتنا من عمان تذكر = وأبوه تيهــيٍّ تعددّ عموقــه ( 2 )
يشدي ظليم مع جذيب ٍ تحدر=وإلا النداوي يوم تطلق سبوقه ( 3 )
ياراكبه كزه لنجع ٍ بالأجفر = تلقى عشيري كنه البدر فوقه
يكد راسه بالشمطري الأشقر =عود القرنفل والخظيري نشوقه
ياطراد يا وجدي على اللي تودّر= شفت الزعل يا طراد بغظاي موقه
لا واعشيري حال دونه مصطّر = عيّيــل وعــزي لمن دار شوقه
حامينها من فيد ٍ إلى حد الاقور = ومحرمين ضدهم ما يذوقــه
وجدي عليها وجد مطعون الأبهر = أقفى يجر مسنجد ٍ من عروقه
أو وجد من هو عن جواده تقنطر = أمسى صويب ٍ يكفخ الطير فوقه
أو وجد مكتوف ٍ تولوه عسكر= يتليه جلاّد بسيفه يسوقــه
ونيت ونة من وقع وسط الأبحر = هله بعيد وقصّرت به سبوقه
يا لايمي عساك بالداب الأبتر= يمسّك بعرش الساق حتى يعوقه
آخيل مزن ٍ يم خلّي تحدّر =خلته ورا حايل تلاعج بروقه
جعله على دار الحبيبه يبذّر = والعشب بفياضه تغرف عذوقه
1- الحر هنا : الجمل الأصيل . والمشذّر : النبيه الحذر . رفوقه : خفافه
2- الأبل العمانية أشتهرت برشاقتها في السير وقوة تحملها . التيهي : من السلالات النجيبه . أي أن هذا الجمل أصيل معروفه عموقه و أصوله كناية عن نجابته وسرعته .
3- يشدي : يشبه , والظليم : هو ذكر النعام , وأنثاه الربدة . والنداوي : الصقر .
وحين أتم أبيات قصيدته أعترضه أحد رجاله وهو ( محمد الصياد ) وأمسك برسن الفرس موجها ً حديثه إلى الشيخ كنعان الطيار معاتبا ً بقوله : يا أبا زيد أنت خلقت للخيل ونجائب الأبل فإن أردت تتوجد وتتمنى فالأجدر بك أن تتمنى فرسا ً أصيلة أو ذلولا نجيبة , لا أن تتوجد على أمرأة رحلت بإختيارها إلى أهلها .
كنعان : يا محمد المرأة الصالحة الجميلة هي زينة الحياة الدنيا وبهجتها وهي أمنية كل لبيب لما تجلبه من السعادة لزوجها فهي أن نظر إليها أسّرته وإن غاب عنها حفظت غيبته , وليس الفرس أو الذلول التي تبعد بك قاطعة الفيافي والقفار ضاعنة بك عن الأحبة والديار , فإليك عني ودعني أرحل .
الصياد : والله لن أدعك .. فإن ما تقوله يا كنعان لعجيب , وما يزيد قولك عجبا ً أن تكون أنت قائله وأنت من لا يفارق ظهر فرسه . ولن أقنع بما تقول ولن أعذرك فيما نظمت من شعر .. ووالله لن أرضى بأن تتحدث بوادي العرب بأنك رحلت في طلب أمرأة .
كنعان : وما قولك بعارف البادية ( الظريغط ) * , هل توافق على أن يدلي كل منا بحجته عنده ليفصل بيننا , وأن فصل لي ترحل معنا في طلبها مرغما ً ؟
الصياد واثقا ً : ولن أقبل بغيره من العوارف , فهلم بنا إليه , وإن فصل لك سأكون في أول الركب .
* العرافة : هو قاضي البادية , والظريغط : من أشهر عوارف البادية وقضاتها وهو من قبيلة ( جبّارة ) إحدى قبائل ( ولد علي ) .
وتحرك الجميع إلى خيمة ( الظريغط ) , ودخلوا مجلسه بعد أن سلموا على الحضور , وابتدره محمد الصياد قائلا ً :
جيناك يالقرم الظريغط بقالة = والكل منا عانـــي ٍ بطلاب
وانشدك بالله يالضريغط نشده = حيثك تخلّص قالة تبلي به
حيث أنت قرم ما تعد إلا الصدق=وحكي الكذب والزور ما تشقىبه
أي الركاب متيهات بالخلا = اللي تجيب من الفلا غيابه
حيل ٍ يقطعن الفيافي ضمر = كل ً تورد لا وقع مجدابه
وأيا البنات العطر بابام الرخا = اللي يشققن النهود ثيابه
فقال الظريغط : وما لديك يا أبا زيد ؟
كنعان :
جيناك يالقرم الضريغط بقالة= والكل منا عانـــي ٍ بطلابه
وانشدك بالله يالظريغط نشده = حيثك تخلّص قالة ٍ تبلي به
حيث أنت قرم ما تعد إلا الصدق=وحكي الكذب والزور ما تشقىبه
أي البنات العفر حلوات النبا = اللي سكن كل الحلا بثيابه
أرقاب المها مدلّهات الساهر = كن العسل يدهك بروس نيابه
هن اللي يجبن العوارف مثلك = وغوش ٍ تفك الخيل من طلاّبه
أي البنات الدعج غنج ليا إنثنن = أياتهن وأي الخلا والذيابه
ولا الركاب متيهات ٍ بالفلا = لولا العذارى عازنا ركّابه
أطلب من الله حجتي مقبوله = وحجتك يالصيا ينلد ّ بابه
فقال الظريغط :
عند الحليله ما تباطا نومك=والهجن تعرضك العطش وذيابه
حجتك يالطيار عندي تقبل = وحجتك يالصياد نقفل بابه
وهكذا فصل العارفة للشيخ كنعان الطيار , فهّب واقفا ً وطلب من محمد الصياد أن يمتطي فرسه أمامه ليرحل معه كما أتفقا .
---------------------------------------------
رجوع المياه إلى مجاريها بين الشيخ كنعان وزوجته, ووقعة سوح ذياب التي تعتبر نقطة الإنطلاقة لقبائل ولد علي بقيادة الشيخ كنعان الطيار ولأهميتها السياسية والجغرافية
حينما أقبل الشيخ كنعان الطيار على منازل شمر, استقبله الجميع بحفاوة وتكريم, ومكث هناك هو ورفاقه عدة أيام مسترضيا ً زوجته,وفي إحدى ليالي مسامراتهم , رفع رأسه للسماء متمثلا ً بأبيات منها :
يالله يــا فــرّاج يـــا والـــي الافـــراج = إنـت الغنـي والنـاس عنـدك محاويـج
تفـرج لمـن كـنـه بـحـق ٍ مــن الـعـاج = متـحـيـر ٍ ظـاقــت عـلـيـه المـنـاهـيـج
يا من يعاوني علـى الطـرس والـزاج = أكتـب بصفـح سجلـة ٍ مـا بـعـد زيــج
يـا مـن يعاونـي علـى القـاف محتـاج = عـن كثـر سجّـات القـدم والسواهـيـج
كل يوم لي مع صحصح الدوّ مسهاج = وكثر السرى يحفي خفاف الهجاهيج
كـم ليلـة ٍ مـبـرك ذلـولـي عـلـى ثــاج = ونـومـي عـلـى غــر الثنـايـا همالـيـج
سميّهـا مـع وجـهـت الغـصـن ينـعـاج = بــاج الثـمـان ولا لـقـى لــه مخـاريـج
مقيضهـا عـن واهـج القيـض فـرتـاج = بخشوم (سلمى) صافيات الصهاريج
ماكولها الحنطة على صالـي الصـاج = ومشـروبـهـا در الـبـكـار الـلـواهـيـج
واليـا هنـف ينبـاج عـن مثـل الافـلاج = غـــر ٍ يشـابـهـن الـلـوالــي مـفـالـيـج
الـــردف طـعــس ولــبّــده رش ودّاج = ينقـل عـلـى ساقـيـن مـثـل الـدراريـج
وتنسف على المتنين مثل الدجى داج = واليا انتفض يشبـه لسـدو المناسيـج
لـجّـت خلاخيـلـه مـثـل لـجّـت الـحـاج=على ابيض الذرعان تزهى الدماليـج
جتنـا تخـطّـى كنّـهـا ضـبـي الافـجـاج = تخضـع لهـا سـود العيـون الخدالـيـج
عـنـود ريــم وريحـهـا عنـبـر انـفــاج = تـقـود غــزلان الخـشـوف الـدواريــج
يـا عـود ريـحـان ٍ عـلـى منقـعـه راج = مالـت بغـضـات الغـصـون العـواريـج
خمس الخناصر فيهن الشرك مـا لاج = وعـيـون يقتـلـن الـهـواوي مـداعـيـج
الحر الاشقر
05-08-2007, 12:52 AM
مجاراة بصري الوضيحي للقصيدة مادحاً الشيخ كنعان:
يـا راكـب ٍ سوهاجـة بنـت سوهـاج = مامونة من سـاس هجـن ٍ سواهيـج
يا من يودي لي من العفص والزاج = قيـل ٍ بصفحـة سجـل ٍ تـو مـا سـيـج
ســلام احـلــى مـــن حـلـيـب اللهاج = وأحلى من العنبر بسوق الحواويج
لكنعـان اللـي باللـقـا يلـبـس الـتـاج = الخيـل مـن حسّـه تقـافـت مزاعـيـج
حامي عقاب الخيل من طلبة أمراج = ليا نسّفـوا فـوق الحـوارك مزاريـج
يـا جـود مداتـه عـلـى كــل محـتـاج=سـخـي كــف ٍ بالعـطـا والمخـاريـج
ثم بعد أن لمس الشيخ كنعان إصرار أهل زوجته ورفضهم لعودتاها معه , غادرهم وهو أكثر إصرار على عودتها معه, فهي الزوجة التي لايمكن التفريط بها , هي العفيفة .. وهي الحسناء.. وهي ذات الاصل الطيب والمنبت الأصيل .
وكان قد سمع أثناء إقامته لدى انسابه ان والد زوجته ينوي الحج وأهله معه, فأختار رجلا ً يثق به من رفاقه وأطلعه على عزمه بألا يعود إلا وزوجته معه, وأطلعه على تدبير يسترجعها به, وهو تدبير رتبته له امرأه عجوز من قوم زوجته كانت تجّـل الشيخ كنعان, حيث ستخرج معهم للحج وستساعده فيما عزم عليه .
ثم كمن هو ورفيقه على طريق الحاج , حتى مرت بهما قافلة والد زوجته, فجلس كنعان تحت سدرة في الطريق بينما رفيقه إلى الركب وأدّعى أن معه أمرأه قد جاءها المخاض تحت شجرة السدر, وطلب مساعدة النساء , فتطوعت المرأة العجوز لذلك وطلبت من زوجة كنعان المساعدة, فوافقت على ذلك وتوجها إلى السدرة, حيث كان كنعان بإنتظار زوجته, وتمكن من لقائها والحديث معها بعد أن يئس من ذلك, وأصلح الله سبحانه مابينها من خلاف, ولا يزال يعرف ذلك المكان بأسم سدرة الطيار وهو في منطقة تسمى الأبيّض .
ثم أن كنعان بعد فترة من الزمن قرر الرحيل بعربان ولد علي للمقيض في سهول الشام( وكان هو أول من نجع خارج الجزيرة العربية من أسرة الطيار ) وبعد أن وصل إلى البلقاء, جائه النذير بأن أحد الزعماء قد جيـّش له عربان منطقة البلقاء لمنع ولد علي من التوغل في أراضيهم, ( ويبدو أن هذه المعركة قد وقعت عام 1160 هـ كما ورد في مخطوطة حوادث دمشق اليومية, جمع أحمد البديري, كما أشار أحمد وصفي زكريا لهذه المعركة في كتابه عشائر الشام ص 108 ) فما كان من الشيخ كنعان إلا أن أمر فرسان ولد علي بالإستعداد لمناجزتهم, والمسير لمكان تجمعهم لمباغتتهم فيه .
وهنا اسجل هذه القصيده للشيخ كنعان الطيار والتي وارسلها للخريشا شيخ قبيلة بني صخر بالبلقا :
يــا راكــب ٍ مــن فــوق ملـحـاً مـدنّـاه=من ساس هجـن ٍ مقدمـات ٍ عراميـس
إنصـى الخريشـا يبهـج الـروح ملفـاه=متـحـفـل ٍ لـوجــوه زيـــن المـلابـيـس
إن كــــان تـبـغــا حـربـنــا لا تـمــنــاه=بالطاس تسمع مثل ضرب النحاحيس
إنـــزل بـســوح ذيـــاب بـالــك تـعــدّاه=إن كـان تطمـع بالشـرف والنواميـس
قبـلـك ابــن زامـــل وظـاهــر نحـيـنـاه=عــن مـنـزل العلـيـا بــدق المقـابـيـس
الـبـر عـنـكـم يـــا الخـريـشـة ولـيـنـاه=عند الـوزر نطلـق ارقـاب المحابيـس
وعويرض اللي كم سقيتوا عسل مـاه=بجـالـه رعينـاهـن طــوال النسانـيـس
وكـم مـن عقيـد ٍ عـن جـواده رميـنـاه=أضحت علـى جنبـه علومـه بسابيـس
وكانت تلك القبائل قد اختارت منطقة ( سوح ذياب بالقرب من الزرقاء بالأردن ) كمكان تجمّع لها . وفي الصباح الباكر فوجئت الجموع بخيل عنزة وقد أطبقت متراصّه وفي مقدمتها كنعان الطيار, فأعتلى فرسان البلقاء صهوات جيادهم استعدادا ً للنزال . فبرز أحد فرسان عنزة بين الجمعين وأخذ يهرج :
يا من يبشّر لي (الخريشة) بكنعان =الشيخ جاه يزرفل الخيل غاير
من فوق ضامر من سلايل كحيلان = واليوم بالبلقا تدور الدواير
عند ذلك صاح ذلك الزعيم من بين فرسانه ( وكان مشهودا ً له بالفروسية والشجاعة العظمية ) وأخذ ينادي ذلك الفارس قائلا ً : بأن هذا وقت اللقاء وليس وقت الشعر , والسيف هو الذي يجب أن يتكلم لا سواه , فخرج كنعان الطيار بين الجمعين ونادى ذلك الزعيم للبروز له لمبارزته ليشهد كل سيف على صاحبه, فبرز له دون إبطاء , وماهي إلا جولتان حتى تمكـّن كنعان الطيار من إسقاطه قتيلا ً بين الصفوف, ثم التحم الجمعان, وتمكنت ولد علي من هزيمة تلك القبائل ومن معهم من قبائل البلقاء, وكان من نتيجة ذلك أن اندحرت تلك القبائل إلى منطقة الغور. وهكذا فتح الطريق لإمتداد قبائل عنزة شمالا ً , وجاءت هذه المعركة عقب مناخ ميقوع بالقرب من دومة الجندل, وكانت قد إرتادت بادية الشام بعض فروع عنزة كالمشطة من ولد علي, والمنابهة من بني وهب .
---------------------------------------
((من قصائده في الوجد والغزل))
يابو رشيـد اشكيلـك القلـب ملكـوش =يـا منتـهـى شـكـواي والقـلـب معـتـل
العفـو لا مـرسـال لا تلـفـي طــروش=هـــذا شـهــر شــــوال وقـصـيّــرٍ زل
أبــو نـهـود ٍ كنـهـن طـلــع بـطّــوش=بيض الحمام الراعبي أو هـن أشكـل
والصدر في خنّات الارياح مرشوش=وقذيـلـة ٍ فـــوق الحجـاجـيـن تـنـهـلّ
البطـن لا ديبـاج ولا قـطـن منـفـوش=لا مــرعــز ٍ لــيـــان جــلـــده ولا زل
جلده كما الدهدار مـا يدانـي النـوش=وترفعـه شمـط الهبايـب عــن الـطـل
يا بنت مـن يثنـي اليـا كمّـل الهـوش=ليا دوبحـوا عـوج المراكيـض مـاذل
للباحث وكاتب المقال سعود الولدعي نقلاً عن الأديب النسابة عبدالله بن عبار في كتابه ( اسرة الطيار وقبائل ولدعلي) ، وبقلم الأخ تركي الكاسب ، وعناز العنزي
محمد الرسلاني
05-08-2007, 02:35 AM
يعطيك العافيه اخوي سلطان وتسلم ويمنلك
سلامة الاشجعي
05-08-2007, 12:07 PM
شكرا لك ايها الحر الاشقر على هذه الملحمة للشيخ الفارس والشاعر كنعان الطيار التي اترت تاريخ قبيلة عنزه بالبطولات المشرفه في زمن مضى لايعرف الا لغة القوه
ابن معجل
05-09-2007, 11:24 AM
شكرا الاخ سلطان على المشاركة
سـطـام المعجل
05-09-2007, 04:05 PM
تعبت وانا اقاراء ولم اكمل القصة
ولكن ارد ان اسجل اعجابي الشديد
والشيخ كنعان من المعروفين
والمشهود لهم بالشجاعة والبائس والكرم
يعطيك العافية سلطان وننتظر جديدك
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
سامي المعجل
05-18-2007, 04:26 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاتة
موضــــــــــــــــــ جيد ـــــــــــــــــــــــــــــوع
مشـــــــــــــــــــــــــكــــــــــــــــــــــ ــــــــــور
__________________
ابو نواف
06-07-2007, 01:31 AM
بيض الله وجهك
وكل من شارك
شجاع الاشجعي
06-07-2007, 03:25 AM
كنعان اسطوره
ولو ترخه التاريخ كان مثله مثل عنتر بن شداد
شكرا لك شيخنا
أسرار العيون
07-15-2007, 08:11 PM
الله يعطيك العافيه وكفو والله يا الحر الاشقر ما يحتاج ان امدح لان شهادتنا مجروحها التاريخ يشهد بجد عنزه والله الموفق ،،،
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir