ابو نواف
06-08-2007, 09:05 PM
اتسمت علاقة البادية العربية بالدولة على مر السنين بكثير ٍ من التغيرات التي حكمتها صيغ مختلفة من أشكال التعامل مع تلك الشرائح المهمة جداً في المجتمع العربي الإسلامي ....
فبعد أن أشرقت على الدنيا أنوار الرسالة المحمدية وتشكلت الدولة الإسلامية طارحة نفسها أمام مجتمع قبلي ، وجدت القبائل أن هذا الطرح يحقق مصالحها بشكل ٍ أمثل في ضوء العقيدة والتشريع الجديدين الذين ضمنا مساواة اجتماعية وقانونية للكافة .
ثم مرت القبائل بتجربة عسيرة جداً تبينت نتائجها فيما بعد عندما وظف الأمويون الشعور القبلي بطريقة سيئة جداً جعلت القبائل أمام استحقاقات عسيرة في العصر العباسي ( قبائل كلب وعبس وباهلة .... الخ ) .
وعندما أتى العباسيون تحفظوا كثيراً في اعتماد القبائل كعامود ٍ للدولة وسلطتها ( ربما للخلفية التي ترعرعت فيها الدعوة العباسية في خراسان ) ، بل وصل الأمر في اعتماد بعضهم على عناصر كالفرس والأتراك ( المأمون ثم المعتصم على خلفية خؤلتهما لهؤلاء الخلفاء ) إلى أن وصل الأمر في خلافة المتوكل إلى أنه لم يبق في الجيش الإسلامي عربي واحد .
وعندما بدأت سلطة البويهيين تخيم على الخلافة العباسية أضطهد العرب إضطهاداً كبيراً ، وأصبح مجرد حمل الإنسان لاسم ٍ يفيد انتماءه القبلي كافياً لصد الأبواب في وجهه على المستوى السياسي والقيادي ومناصب الدولة ، بل والحياة العامة .
ونرصد هاهنا حرص الكثيرين على استخدام الأسماء المبنية على الصفات الجسمانية مثلاً ( الأعور ، الأعمى ، الأعرج )
أو المهن ( كالإسكافي والغزال والقصاب والحداد )
أو النسبة إلى المدن أو المناطق ( كالبغدادي والموصلي والدمشقي ) تهرباً من ممارسات خاصة سيجرها عليه اسمه الدال على قبيلته . وهذا ما سبب انكفاء القبائل على أنفسها في باديتها وشعورها بأن الولاء للقبيلة هو الملاذ الذي يضمن انتماءاً لكتلة ٍ تملك بعداً اقتصادياً وحيوياً وأمنياً ، وهذا بالتالي سيكرس الشعور بالانفصال الحقيقي عن الدولة كقبائل ...
وأصبحت العلاقة النمطية بين القبائل وبين مراكز الحكم بل والمدن وسكانها الذين يخضعون لهذه المراكز علاقة صدامية إلى حد ٍ كبير ، يقوم خلالها الأقوى ( إن كانت القبائل أو كانت الدولة ) بفرض مصالحه كحق ٍ مصدره القوة ، وقد عبر عن هذا بكر بن النطـّاح العجلي العنزي في خلافة المأمون بقوله ( وهو يعني بيت الخلافة ) :
فإن يكُ جدُ القوم ِ فهرُ بن مالك ٍ =فجدي لجيمٌ قرمُ بكر بن وائل ِ
ومن يفتقر منا يعش بسلاحه ِ=ومن يفتقر من سائر الناس ِ يسأل ِ
وإنا لنلهو بالسيوف ِ كما لهت =فتاةٌ بعقد ٍ أو سخاب ِ قرنفل ِ
وظلت هذه العلاقة بشكلها السالف سائدة مع استثناءات تاريخية في فترة صلاح الدين الأيوبي الذي استطاع من خلال حمله لمشروع ٍ ليس فردياً ولا قومياً حتى ، بل مشروع استطاعت حتى القبائل البعيدة أن تفهمه باعتباره مشروعاً للأمة ، فلمسنا تجاوباً رائعاً واستثنائياً مع صلاح الدين في تلك الفترة ، وما هجرة الضياغم ( الذين دخلوا في شمر لاحقاً ) من وادي تثليث في جنوب الجزيرة العربية في القرن السادس الهجري إلا تعبير عن دعمهم لصلاح الدين في حربه ضد الصليبين .... بالإضافة بالطبع لقبائل عنزة وسليم وغيرها ...
وتكرر هذا الموقف مع المضفر قطز في حربه ضد التتار في فلسطين ، حيث نرى أن المكون الأساسي للجيش الإسلامي في عين جالوت هي قبائل طي التي كانت تسود البلاد الشامية في تلك الفترة ، ثم تراجعت تلك العلاقة إلى الشكل النمطي كأنظمة حاكمة تمارس سلطة تفرض بالقوة على أبناء القرى والمدن والمضطرين بحكم ارتباطهم بالأرض على الخضوع ، في حين أعطت مرونة الحركة بالنسبة لقبائل البادية هامشاً لرفض هذه السلطة ، بل والتمرد عليها إذا آنست في نفسها ما يكفي من القوة ومن الدولة مظاهر ضعف تغريها بذلك التمرد .
وخلال فترة امتدت لمئات ٍ من السنين ، بسطت الدولة العثمانية سلطتها على رقعة كبيرة من البلاد الإسلامية ، حيث تم تقسيمها إلى ما أسمته ( الولايات العثمانية ) . وتتسم تلك الفترة بندرة المصادر التاريخية التي تمكّن الباحث من الاطلاع على تفاصيل دقيقة فيما يخص البادية العربية ( بسبب الجهل وحالة الإهمال التي عانت منها البادية العربية آنذاك ) .
ولكن أمكن خلال الفترة المتأخرة الوصول لبعض المصادر الرسمية التي بدأت تظهر تباعاً نتيجة لازدهار حركة البحث العلمي والنشر وسهولة الاتصال والوصول لتلك المصادر بعد الإفراج عن كثير ٍ منها في تركيا المعاصرة وبعض الدول الغربية التي كان لها نشاط ملحوظ في المنطقة خلال الثلاث مائة سنة المتأخرة ....
ولعل في الموروث الشعري كمصدر من مصادر البحث العلمي ، كثير من الاستشهادات ذات الدلالة ، وليس أدل على ذلك أكثر من الصدام الذي قام بين ( شيخ ولد علي ) حريب الدول ( محمد الدوخي .. ابن سمير ) رحمه الله من جهة ودولة بني عثمان وحكومة اعقاب محمد علي من جهة ثانية ، نتيجة لعدم فهم السلطة الحاكمة لطبيعة الثقافة البدوية ذات الأطر القيمية المحكمة التي لا تسمح بتسليم الدخيل ، قال ابن سمير بتحدي :
يا شلاش ما نعطيك حمر الطرابيش = لـو جمّعـوا كل العساكر علينا
وش عذرنا من ام الثنايا المباهيش = غـرو ٍ يزيّن مـرود الكحل عينا
دونك نسوق المال والخيل والجيش = وان لـزمّوا يا شلاش نرهن حدينا
إخوان عذرا ما بهم ماكر كديش = يـرجـع معيف ٍ خاسر ٍ من يبينا
حنا بني وايل بعـاد المطاريـش= حـامينها من النقرة الى حد سينا
وبالاطلاع على سمة العلاقة بين السلطة ( التي فرضت نفسها آنذاك ) وبين البادية العربية يمكن لنا الخروج بنتيجة مؤداها أن تلك العلاقة اتسمت بالتوتر والإهمال غالباً ، بل وبكثير ٍ من مظاهر الاستعداء ، ومحاولة إثارة القبائل فيما بينها وإثارة النزاعات ، في وقت كانت البادية العربية بحاجة لكثير ٍ من العناية نتيجة لظروف الحياة القاسية التي كانت تعيشها خلال سنين الجدب وقلة الأمطار وانتشار الأمراض والجهل ( كل هذا في صحراء لا ترحم ) ...
وأكثر من هذا كانت تمارس في حق هذه القبائل العربية تصرفات عدوانية خالية من الحصافة وحسن التدبير السياسي من الولاة العثمانيين .
وتذكر كثير من الإنتاجات الفكرية العربية الحديثة بكثير ٍ من الإشمئزاز حوادث إغارة بعض البدو على قوافل الحج الشامي والمصري ، ولكنها تتوقف عند هذا مما يعطي الانطباع بأن هذه الاعتداءات هي لمجرد النهب والقتل ، ذلك أن هذه المصادر وبلا إنصاف ودون موضوعية ولا حيادية لا تذكر الأسباب الحقيقية لحوادث الهجوم التي حدثت في مرات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ( ولكنها مع كثر الترويج التاريخي لها تبدو تصرفات طبع عليها أبناء البادية كمنهج حياة لهم على ما في هذا من ظلم تاريخي لهم !! ) ..
ولم تتناول الدور الحيوي للقبائل العربية في حماية طرق المواصلات في ظل غياب واضح للأمن الرسمي الذي قصرت عن تأمينه الدولة التي بسطت نفوذها آنئذ ٍ من ناحية ، والأطماع التي كانت تسوق كثير من الولاة الأتراك من خلال فرض ضرائب وجمارك عالية على العرب في قراهم ومدنهم وأثناء مواسم الحج من ناحية أخرى ، الأمر الذي كان يأنف منه البدو في صحاراهم ، ونستطيع أن نسوق بعض الأمثلة على ذلك ، فمثلاً يذكر أوبنهايم أن قبيلة حرب تعرضت في منتصف القرن الثامن عشر لتصرف خياني من قائدين من قادة قوافل الحج ، ففي عام 1758م هاجم أمير الحج الشامي ( تشيتجي عبدالله باشا ) في مضيق الجديدة ودون أي مبرر قبيلة حرب التي كان رجالها يتأهبون لاستلام الصرة المتفق عليها رسمياًً مع الحكومة العثمانية نظير حمايتهم لطريق الحج ، وتم في هذا الهجوم قتل 25 شيخاً من حرب من بينهم شيخ مشائخ حرب ...
وبعد أعوام قليلة ( 1761م) تصرف قائد القافلة المصرية ( حسين بك كشكش ) بشكل أسوأ ، فعندما وصل إلى أحد المعابر الضيقة حيث كان البدو ينتظرونه لاستلام الصرة احتال عليهم وطلب منهم انتظاره في المحطة القادمة كي يدفع لهم الصرة . وعندما اصطفوا هناك لاستلام حقهم قام بقتل زعمائهم ( 20 شيخ من بينهم شيخ المشائخ مرة أخرى ) ، وهكذا فقدت الثقة ولم تعد طريق الحج آمنة .
ويذكر الأمير حيدر الشهابي في تاريخه أنه في سنة 1818م رجع صالح باشا والي الشام من القدس وعند وصوله حضر إلى ملتقاه بعض العرب وهم قبائل السرحان والمصاليخ وبنو صخر ، وعندما تلقوه أمر بالقبض على ثلاثة من أكابرهم وقتلهم ، وكان ذلك اعتداء منه عليهم من غير ذنب تقدم فعله منهم ضده...
ثم سيّر العساكر عليهم فخلّوا بيوتهم وهربوا إلى الوعر ، ونزلت العساكر على بيوتهم طالبة النهب والسلب ، وانحازت شرذمة نحو 300 عسكري إلى العرب الهاربين بعيالهم إلى الوعر ليغنموهم أيضاً فثار العربان راجعين إليهم ، وانتصروا عليهم وفتكوا بهم فتكاً عظيماً ، وقوّموا سلبهم إلى العساكر التي في البيوت ، وظفروا بهم وقتلت العرب في ذلك اليوم نحو 300 من عساكر الأتراك ، وغنموا سلاحهم وخيلهم ، وانكشف الباشا راجعاً إلى الشام مكسوراً وحسب عليه عاراً عظيماً.
وبالرجوع إلى المحفوظات الملكية المصرية والتي نشرها أسد رستم ، نجد الوثائق :
- رقم 923 من محمد علي باشا إلى ابنه إبراهيم باشا يأمره بضرب القبائل العربية لأخذ الجمال منها ( 1831م ) .
- وبرقم 2710 في دفتر الخلاصات مكاتبات من الجيش المنصور وفيه أنه يجب إرسال أعيان بني صخر مقيدين بالسلاسل إلى عكا للعمل في السفن ( 1832م ) .
- وبرقم 2765 من محمد علي باشا إلى ابنه إبراهيم باشا يستطلع رأيه في هل يوافق على إرسال الفرسان العرب من مصر لتأديب عرب عنـزة ( 1832م ) .
- وبرقم 3358 من محمد علي باشا إلى محمد شريف بك وفيه يذكر أنه لا يوافق على دفع الصرر من خزينة الشام كما جرت العادة سابقاً إلى عرب عنـزة ووِلد علي وحسن وبني صخر وغيرهم ( 1833م ) .
- وبرقم 5960 أمر سر عسكري إلى محمد بك آغاسي : حينما تصل لا تركن إلى الراحة والكسل بل بمجرد وصولك قم بتأديب القبائل وذلك لتخويف هؤلاء ( الخنازير ) !! ( سنة 1839م ) .
وبنفس المحفظة رسالة من إمضاء محمد بك آغاسي تفيد أنه زحف على الأفاضلة وأخذ منهم ثلاثة آلاف رأس من الغنم والماعز ومئة وستين كيساً ، وأنه غادر تلك الجهة مولياً شطر الشرق ليقاتل عرب صفوق الجربا . كذلك في نفس المحفظة أمر عسكري نصه : أن العشائر الخاضعة إنما هي خاضعة نتيجة للضغط فلا يغرنكم كلام من خضع بل قاتلوهم حتى ترهبوا أعين العشائر . كذلك أمر يوجب بشن الغارة على الرولة والسرحان وبني صخر وسلب أموالهم ويبين طرق التنفيذ .
وفي وثائق الخارجية البريطانية نجد رسالة من القنصل البريطاني في تاريخ 1845 يتحدث فيها عن الجفاف والقحط وأن عرب عنـزة قد تحركوا إلى المراعي في بادية الشام ، وأن قوة من الحكومة هاجمتها وأرغمتها على الرجوع بعد أن أخذت منها خيلاً وإبلاً ، وذكر في رسالته أن البدو خرّبوا بعض المزارع عند رجوعهم .
فبعد أن أشرقت على الدنيا أنوار الرسالة المحمدية وتشكلت الدولة الإسلامية طارحة نفسها أمام مجتمع قبلي ، وجدت القبائل أن هذا الطرح يحقق مصالحها بشكل ٍ أمثل في ضوء العقيدة والتشريع الجديدين الذين ضمنا مساواة اجتماعية وقانونية للكافة .
ثم مرت القبائل بتجربة عسيرة جداً تبينت نتائجها فيما بعد عندما وظف الأمويون الشعور القبلي بطريقة سيئة جداً جعلت القبائل أمام استحقاقات عسيرة في العصر العباسي ( قبائل كلب وعبس وباهلة .... الخ ) .
وعندما أتى العباسيون تحفظوا كثيراً في اعتماد القبائل كعامود ٍ للدولة وسلطتها ( ربما للخلفية التي ترعرعت فيها الدعوة العباسية في خراسان ) ، بل وصل الأمر في اعتماد بعضهم على عناصر كالفرس والأتراك ( المأمون ثم المعتصم على خلفية خؤلتهما لهؤلاء الخلفاء ) إلى أن وصل الأمر في خلافة المتوكل إلى أنه لم يبق في الجيش الإسلامي عربي واحد .
وعندما بدأت سلطة البويهيين تخيم على الخلافة العباسية أضطهد العرب إضطهاداً كبيراً ، وأصبح مجرد حمل الإنسان لاسم ٍ يفيد انتماءه القبلي كافياً لصد الأبواب في وجهه على المستوى السياسي والقيادي ومناصب الدولة ، بل والحياة العامة .
ونرصد هاهنا حرص الكثيرين على استخدام الأسماء المبنية على الصفات الجسمانية مثلاً ( الأعور ، الأعمى ، الأعرج )
أو المهن ( كالإسكافي والغزال والقصاب والحداد )
أو النسبة إلى المدن أو المناطق ( كالبغدادي والموصلي والدمشقي ) تهرباً من ممارسات خاصة سيجرها عليه اسمه الدال على قبيلته . وهذا ما سبب انكفاء القبائل على أنفسها في باديتها وشعورها بأن الولاء للقبيلة هو الملاذ الذي يضمن انتماءاً لكتلة ٍ تملك بعداً اقتصادياً وحيوياً وأمنياً ، وهذا بالتالي سيكرس الشعور بالانفصال الحقيقي عن الدولة كقبائل ...
وأصبحت العلاقة النمطية بين القبائل وبين مراكز الحكم بل والمدن وسكانها الذين يخضعون لهذه المراكز علاقة صدامية إلى حد ٍ كبير ، يقوم خلالها الأقوى ( إن كانت القبائل أو كانت الدولة ) بفرض مصالحه كحق ٍ مصدره القوة ، وقد عبر عن هذا بكر بن النطـّاح العجلي العنزي في خلافة المأمون بقوله ( وهو يعني بيت الخلافة ) :
فإن يكُ جدُ القوم ِ فهرُ بن مالك ٍ =فجدي لجيمٌ قرمُ بكر بن وائل ِ
ومن يفتقر منا يعش بسلاحه ِ=ومن يفتقر من سائر الناس ِ يسأل ِ
وإنا لنلهو بالسيوف ِ كما لهت =فتاةٌ بعقد ٍ أو سخاب ِ قرنفل ِ
وظلت هذه العلاقة بشكلها السالف سائدة مع استثناءات تاريخية في فترة صلاح الدين الأيوبي الذي استطاع من خلال حمله لمشروع ٍ ليس فردياً ولا قومياً حتى ، بل مشروع استطاعت حتى القبائل البعيدة أن تفهمه باعتباره مشروعاً للأمة ، فلمسنا تجاوباً رائعاً واستثنائياً مع صلاح الدين في تلك الفترة ، وما هجرة الضياغم ( الذين دخلوا في شمر لاحقاً ) من وادي تثليث في جنوب الجزيرة العربية في القرن السادس الهجري إلا تعبير عن دعمهم لصلاح الدين في حربه ضد الصليبين .... بالإضافة بالطبع لقبائل عنزة وسليم وغيرها ...
وتكرر هذا الموقف مع المضفر قطز في حربه ضد التتار في فلسطين ، حيث نرى أن المكون الأساسي للجيش الإسلامي في عين جالوت هي قبائل طي التي كانت تسود البلاد الشامية في تلك الفترة ، ثم تراجعت تلك العلاقة إلى الشكل النمطي كأنظمة حاكمة تمارس سلطة تفرض بالقوة على أبناء القرى والمدن والمضطرين بحكم ارتباطهم بالأرض على الخضوع ، في حين أعطت مرونة الحركة بالنسبة لقبائل البادية هامشاً لرفض هذه السلطة ، بل والتمرد عليها إذا آنست في نفسها ما يكفي من القوة ومن الدولة مظاهر ضعف تغريها بذلك التمرد .
وخلال فترة امتدت لمئات ٍ من السنين ، بسطت الدولة العثمانية سلطتها على رقعة كبيرة من البلاد الإسلامية ، حيث تم تقسيمها إلى ما أسمته ( الولايات العثمانية ) . وتتسم تلك الفترة بندرة المصادر التاريخية التي تمكّن الباحث من الاطلاع على تفاصيل دقيقة فيما يخص البادية العربية ( بسبب الجهل وحالة الإهمال التي عانت منها البادية العربية آنذاك ) .
ولكن أمكن خلال الفترة المتأخرة الوصول لبعض المصادر الرسمية التي بدأت تظهر تباعاً نتيجة لازدهار حركة البحث العلمي والنشر وسهولة الاتصال والوصول لتلك المصادر بعد الإفراج عن كثير ٍ منها في تركيا المعاصرة وبعض الدول الغربية التي كان لها نشاط ملحوظ في المنطقة خلال الثلاث مائة سنة المتأخرة ....
ولعل في الموروث الشعري كمصدر من مصادر البحث العلمي ، كثير من الاستشهادات ذات الدلالة ، وليس أدل على ذلك أكثر من الصدام الذي قام بين ( شيخ ولد علي ) حريب الدول ( محمد الدوخي .. ابن سمير ) رحمه الله من جهة ودولة بني عثمان وحكومة اعقاب محمد علي من جهة ثانية ، نتيجة لعدم فهم السلطة الحاكمة لطبيعة الثقافة البدوية ذات الأطر القيمية المحكمة التي لا تسمح بتسليم الدخيل ، قال ابن سمير بتحدي :
يا شلاش ما نعطيك حمر الطرابيش = لـو جمّعـوا كل العساكر علينا
وش عذرنا من ام الثنايا المباهيش = غـرو ٍ يزيّن مـرود الكحل عينا
دونك نسوق المال والخيل والجيش = وان لـزمّوا يا شلاش نرهن حدينا
إخوان عذرا ما بهم ماكر كديش = يـرجـع معيف ٍ خاسر ٍ من يبينا
حنا بني وايل بعـاد المطاريـش= حـامينها من النقرة الى حد سينا
وبالاطلاع على سمة العلاقة بين السلطة ( التي فرضت نفسها آنذاك ) وبين البادية العربية يمكن لنا الخروج بنتيجة مؤداها أن تلك العلاقة اتسمت بالتوتر والإهمال غالباً ، بل وبكثير ٍ من مظاهر الاستعداء ، ومحاولة إثارة القبائل فيما بينها وإثارة النزاعات ، في وقت كانت البادية العربية بحاجة لكثير ٍ من العناية نتيجة لظروف الحياة القاسية التي كانت تعيشها خلال سنين الجدب وقلة الأمطار وانتشار الأمراض والجهل ( كل هذا في صحراء لا ترحم ) ...
وأكثر من هذا كانت تمارس في حق هذه القبائل العربية تصرفات عدوانية خالية من الحصافة وحسن التدبير السياسي من الولاة العثمانيين .
وتذكر كثير من الإنتاجات الفكرية العربية الحديثة بكثير ٍ من الإشمئزاز حوادث إغارة بعض البدو على قوافل الحج الشامي والمصري ، ولكنها تتوقف عند هذا مما يعطي الانطباع بأن هذه الاعتداءات هي لمجرد النهب والقتل ، ذلك أن هذه المصادر وبلا إنصاف ودون موضوعية ولا حيادية لا تذكر الأسباب الحقيقية لحوادث الهجوم التي حدثت في مرات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ( ولكنها مع كثر الترويج التاريخي لها تبدو تصرفات طبع عليها أبناء البادية كمنهج حياة لهم على ما في هذا من ظلم تاريخي لهم !! ) ..
ولم تتناول الدور الحيوي للقبائل العربية في حماية طرق المواصلات في ظل غياب واضح للأمن الرسمي الذي قصرت عن تأمينه الدولة التي بسطت نفوذها آنئذ ٍ من ناحية ، والأطماع التي كانت تسوق كثير من الولاة الأتراك من خلال فرض ضرائب وجمارك عالية على العرب في قراهم ومدنهم وأثناء مواسم الحج من ناحية أخرى ، الأمر الذي كان يأنف منه البدو في صحاراهم ، ونستطيع أن نسوق بعض الأمثلة على ذلك ، فمثلاً يذكر أوبنهايم أن قبيلة حرب تعرضت في منتصف القرن الثامن عشر لتصرف خياني من قائدين من قادة قوافل الحج ، ففي عام 1758م هاجم أمير الحج الشامي ( تشيتجي عبدالله باشا ) في مضيق الجديدة ودون أي مبرر قبيلة حرب التي كان رجالها يتأهبون لاستلام الصرة المتفق عليها رسمياًً مع الحكومة العثمانية نظير حمايتهم لطريق الحج ، وتم في هذا الهجوم قتل 25 شيخاً من حرب من بينهم شيخ مشائخ حرب ...
وبعد أعوام قليلة ( 1761م) تصرف قائد القافلة المصرية ( حسين بك كشكش ) بشكل أسوأ ، فعندما وصل إلى أحد المعابر الضيقة حيث كان البدو ينتظرونه لاستلام الصرة احتال عليهم وطلب منهم انتظاره في المحطة القادمة كي يدفع لهم الصرة . وعندما اصطفوا هناك لاستلام حقهم قام بقتل زعمائهم ( 20 شيخ من بينهم شيخ المشائخ مرة أخرى ) ، وهكذا فقدت الثقة ولم تعد طريق الحج آمنة .
ويذكر الأمير حيدر الشهابي في تاريخه أنه في سنة 1818م رجع صالح باشا والي الشام من القدس وعند وصوله حضر إلى ملتقاه بعض العرب وهم قبائل السرحان والمصاليخ وبنو صخر ، وعندما تلقوه أمر بالقبض على ثلاثة من أكابرهم وقتلهم ، وكان ذلك اعتداء منه عليهم من غير ذنب تقدم فعله منهم ضده...
ثم سيّر العساكر عليهم فخلّوا بيوتهم وهربوا إلى الوعر ، ونزلت العساكر على بيوتهم طالبة النهب والسلب ، وانحازت شرذمة نحو 300 عسكري إلى العرب الهاربين بعيالهم إلى الوعر ليغنموهم أيضاً فثار العربان راجعين إليهم ، وانتصروا عليهم وفتكوا بهم فتكاً عظيماً ، وقوّموا سلبهم إلى العساكر التي في البيوت ، وظفروا بهم وقتلت العرب في ذلك اليوم نحو 300 من عساكر الأتراك ، وغنموا سلاحهم وخيلهم ، وانكشف الباشا راجعاً إلى الشام مكسوراً وحسب عليه عاراً عظيماً.
وبالرجوع إلى المحفوظات الملكية المصرية والتي نشرها أسد رستم ، نجد الوثائق :
- رقم 923 من محمد علي باشا إلى ابنه إبراهيم باشا يأمره بضرب القبائل العربية لأخذ الجمال منها ( 1831م ) .
- وبرقم 2710 في دفتر الخلاصات مكاتبات من الجيش المنصور وفيه أنه يجب إرسال أعيان بني صخر مقيدين بالسلاسل إلى عكا للعمل في السفن ( 1832م ) .
- وبرقم 2765 من محمد علي باشا إلى ابنه إبراهيم باشا يستطلع رأيه في هل يوافق على إرسال الفرسان العرب من مصر لتأديب عرب عنـزة ( 1832م ) .
- وبرقم 3358 من محمد علي باشا إلى محمد شريف بك وفيه يذكر أنه لا يوافق على دفع الصرر من خزينة الشام كما جرت العادة سابقاً إلى عرب عنـزة ووِلد علي وحسن وبني صخر وغيرهم ( 1833م ) .
- وبرقم 5960 أمر سر عسكري إلى محمد بك آغاسي : حينما تصل لا تركن إلى الراحة والكسل بل بمجرد وصولك قم بتأديب القبائل وذلك لتخويف هؤلاء ( الخنازير ) !! ( سنة 1839م ) .
وبنفس المحفظة رسالة من إمضاء محمد بك آغاسي تفيد أنه زحف على الأفاضلة وأخذ منهم ثلاثة آلاف رأس من الغنم والماعز ومئة وستين كيساً ، وأنه غادر تلك الجهة مولياً شطر الشرق ليقاتل عرب صفوق الجربا . كذلك في نفس المحفظة أمر عسكري نصه : أن العشائر الخاضعة إنما هي خاضعة نتيجة للضغط فلا يغرنكم كلام من خضع بل قاتلوهم حتى ترهبوا أعين العشائر . كذلك أمر يوجب بشن الغارة على الرولة والسرحان وبني صخر وسلب أموالهم ويبين طرق التنفيذ .
وفي وثائق الخارجية البريطانية نجد رسالة من القنصل البريطاني في تاريخ 1845 يتحدث فيها عن الجفاف والقحط وأن عرب عنـزة قد تحركوا إلى المراعي في بادية الشام ، وأن قوة من الحكومة هاجمتها وأرغمتها على الرجوع بعد أن أخذت منها خيلاً وإبلاً ، وذكر في رسالته أن البدو خرّبوا بعض المزارع عند رجوعهم .